عبد الملك الجويني
13
نهاية المطلب في دراية المذهب
4995 - ومن أركان المعاملة ربطُها بجزءٍ من الثمار ، كما ذكرناه في المقارضة ، فإن وقع التوافق على غير الثمار ، بأن سمى له دراهمَ معلومةً ، أوْ ما في معناها ، فقد خرجت المعاملةُ عن وضعها ، والنظرُ بعد ذلك في استجماع ما جرى لشرائط الاستئجار . ولو أراد عقد الإجارة بلفظ المساقاة ، ففيه التردد الذي ذكرناه في عقد المساقاة بلفظ الإجارة . فإذا تبين أن المساقاة تتعلق بجزءٍ من الثمار ، فلا بدّ من إعلامٍ بالجزئية ، كما قدمناه في إعلام جزئية الربح في القراض ، ويفسد إعلامُ الجزئية باستثناءٍ مُقَدَّرٍ منها ، كما يفسد القراض بمثل ذلك ، حتى لو قال رب الأشجار : صاعٌ من الثمار لي ، والباقي منها مقسوم بيننا نصفين ، أو ثلثاً وثلثين ، أو على ما يتفقان عليه ، فهذا باطل ؛ ( 1 فإن الثمار مغيبةٌ 1 ) ، فربما لا يوجد أكثر من صاع ، فيكون هذا بمثابة ما لو شرط أن يكون كلُّ الثمار له ، وهذا ممتنع ، كنظيره من القراض . ولو شرط جملة الثمار للعامل ، ولم يستبق لنفسه شيئاً ، فالمعاملة فاسدةٌ أيضاً . وتفترق المساقاة والقراض عند إضافة جملة الثمار إلى إحدى الجهتين على الوجه الذي ذكرناه في القراض . فإن قيل : [ إن ] ( 2 ) كان لا يظهر في القراض غرض مالي في صرف جميع الربح إلى العامل ، ويفسد القراض لأجله ، فقد يقصد ربُّ الأشجار تنمية الأشجار ، ويرى أن يجعل الثمار في المدة في مقابلة الأعمال المنمِّية للأشجار . قلنا : لسنا ننكر كَوْنَ ذلك مقصوداً في مطرد العرف ، ولكن الشرعَ وضع هذه المعاملةَ ، واحتمل ما فيها من الجهالة لتحصيل الثمار ، ولهذا تكون أعمالُ المساقَى مؤثرةً في تنمية الثمار ، وليس عليه كلُّ عمل يفرض ويقدَّر في البستان ، وإنما يمتاز عمله بما ذكرناه من تأثيره في الثمار ، على ما سنصف ذلك من بعدُ ، إن شاء الله . وبالجملة كل معاملة تشتمل على جهالة ، وقد ظهر احتمال الشرع لها ، فهي
--> ( 1 ) ما بين القوسين سقط من ( ي ) ، ( ه 3 ) . ( 2 ) في الأصل : إنه .